أنا فضيل بومالة .. باسم الحرية أحاكمكم

إرزازن نيوز أنا فضيل بومالة .. باسم الحرية أحاكمكم

أنا فضيل بومالة .. باسم الحرية أحاكمكم

بقلم نجيب بلحيمرعلى فايس بوك 23/02/2020

ساعة علقت على حائط قاعة الجلسات الثانية بمحكمة الدار البيضاء كانت تشير إلى الساعة 12 و 17 دقيقة.. التوقيت الصحيح كان التاسعة إلا ربعا وبعدها بقليل رن الجرس فدخل القاضي ووكيل الجمهورية وكاتبة الضبط، وعلى الطاولة تكدست ملفات لقضايا مختلفة سيكون الفصل فيها مقدمة تسبق النظر في قضية فضيل بومالة المسجون بالحراش منذ يوم 19 سبتمبر الماضي والمتابع بتهمتي المساس بالوحدة الوطنية وعرض منشورات من شأنها الإضرار بالمصلحة الوطنية.

بعد أكثر من ساعتين أمر القاضي بإحضار فضيل بومالة الذي ظهر مبتسما كعادته، فقد شيئا من وزنه فبدا أكثر رشاقة، لا شيء يوحي بأنه قضى مائة وثمانية وخمسين يوما في زنزانة، مسح القاعة بنظراته، تفحص الوجوه وبادل الحضور الذي كان يلوح له بالأيدي التحية.

بعد دفوع شكلية وقانونية بدأت الأمور الجدية، ومن أول لحظة يعطي القاضي، وهو شاب في منتصف العقد الرابع، للمحاكمة طابعها، إنها محاكمة سياسية بامتياز، وطيلة الجلسة التي ستستمر لقرابة 15 ساعة لم يذكر القاضي بومالة بصفته متهما، لقد اختار أن يناديه بالأستاذ، وهذه كانت أول إشارة إلى المنحى الذي ستأخذه تلك المحاكمة، وعندما بدأ القاضي بتوجيه الأسئلة لبومالة عن التهم الموجهة إليه جاءت الإشارة الثانية سريعا عندما طلب منه إن كان يريد سحب تسجيلي فيديو تم إدراجهما كأدلة لأن القاضي يعتبرهما ليسا من إنتاجه وهذا يعني إسقاطهما من الأدلة التي سيسأل عنها ويواجه بها، ومن هذه اللحظة بدأت تظهر هشاشة التهم والأدلة التي جمعت من الانترنيت دون تحديد للجهة التي سجلتها ونشرتها، وقد فضل بومالة أن يسترسل في الحديث ردا على سؤال القاضي ليشير إلى حرصه على توقيع كل ما ينشره على صفحاته من مقالات وفيديوهات، وانتقل سريعا إلى الهجوم بلغة التحدي “سيدي القاضي أنا مستعد أن أجيب على كل أسئلة المحكمة، ولكم أن تبحثوا في كل ما كتبت ونشرت طيلة ثلاثين سنة فإن وجدتم فيه جملة واحدة تمس بالوحدة الوطنية فأنا مستعد لتسليم رقبتي للمقصلة”.

لأكثر من ساعة تحول بومالة إلى قاض يحاكم النظام، يذكر بمعركته التي يربطها بما يسعى إليه الجزائريون من خلال ثورتهم السلمية، ويفرض نفسه على الجميع كثائر من أجل الحرية ” أنا أؤمن بأن الحرية هي الوطن”، حرية لم يسلبها منه وضعه في زنزانة، وهو غير مستعد للتنازل عن هذه الحرية حتى لو كلفه الأمر البقاء في السجن “أنا لست بريئا، أنا ملتزم بقضيتي”، حالة من التماهي مع المبدأ الذي قاده إلى السجن حولت جزء من مرافعته إلى تجديد للعهد مع النضال السياسي والانخراط الكامل في الثورة السلمية التي ستصبح محاكمته إحدى محطاتها، ومن إعلان التمسك بالحرية والنضال من أجلها ينتقل إلى مساءلة القضاء ” إن لم يحمني القضاء في بلادي فمن سيحميني في هذه البلاد؟” إنه إعلان ثقة في شخص القاضي يحمله مسؤولية إصدار الحكم العادل رغم التأكيد الصريح على عدم استقلالية القضاء، وعلى هذه النقطة الأساسية ستتأسس كل مرافعات المحامين الذين ضجت بهم قاعة المحكمة.

تحدث بومالة عن النظام وأصر على وضع الجزائر فوقه، ودافع عن حقه في انتقاد أي شخصية تتولى مسؤولية إدارة الشأن العام، ذكر بأنه لا مشكلة شخصية بينه وبين المسؤولين الذين انتقدهم فالمسألة متصلة بتصور لما يجب أن تكون عليه الجزائر، أعاد ربط كل ما يجري الآن بإرادة الشهداء واعتبر نفسه تلميذا لبن مهيدي وعبان وزيغود وفرحات عباس ومنهم اقتبس فكرة فصل العسكري عن السياسي التي سماها علمانية سياسية يجدد التمسك بها.

استغرب بعض المحامين كيف ترك القاضي لبومالة الكلمة ليتحدث بهذه الحرية وليسيطر على القاعة طيلة تلك المدة، قال لي أحدهم إنني متوجس من الأمر، فعندما يتعلق الأمر بمعتقلي الرأي يصبح التوجس من القضاة هو القاعدة لكن ما جرى أوحى بفقدان السيطرة منذ اللحظة الأولى، ملف فارغ كما وصفه الدفاع وتحول في الخطاب الرسمي يجعل التهم تبدو وكأنها مستوحاة من زمن سحيق، نعم لقد قررت السلطة أن تجعل 22 فيفري يوما وطنيا وأن تبارك الحراك وهي في اليوم الموالي تحاكم بومالة لأنه كان يحرض على التظاهر كما يقول تقرير الضبطية القضائية.

لقد واجهت المحاكمة تحديا آخر تمثل في ذلك التفاعل بين بومالة والقاعة، عاصفة من التصفيق في بداية مرافعته دفعت القاضي إلى تذكير الحضور بقدسية المحكمة التي لا تسمح بالتصفيق، لكن هذا التحذير تم خرقه مرتين أخريين ووصل الأمر إلى حد ترديد شعارات المظاهرات وهو ما دفع القاضي إلى التهديد بطرد الجميع إن تكرر الأمر، وفي كل هذا كان بومالة يستغل كل تفصيل، وكل ثانية، ليحول النظام إلى المتهم الوحيد الذي سيتداول على تعريته عشرات المحامين القادم من مناطق مختلفة من الوطن على مدى ساعات طويلة.

بعد أن أكمل بومالة مرافعته أحال رئيس المحكمة الكلمة إلى ممثل الحق العام الذي قدم التماس سنة حبس نافذ مع غرامة مالية بمائة ألف دينار دون أن يزيد كلمة واحدة، لم يرافع وكيل الجمهورية، وكانت هذه نقطة ارتكاز هجوم آخر قاده محامون من أجيال مختلفة وبميول متباينة جمعهم الالتزام بالدفاع عن معتقلي الثورة السلمية، لقد لخص الأستاذ بن يسعد الأمر في جملة “بهذا انتقلنا من احترام قرينة البراءة إلى فرض قرينة الإدانة” جملة تجهز على مبدأ أساسي في القضاء وتعكس حقيقة ما يجري في المنظومة القضائية الجزائرية، ولم يغفل أي محام إحجام وكيل الجمهورية عن المرافعة ولماذا لم يكلف نفسه عناء تقديم الأدلة التي تجعله يلتمس هذه العقوبة لكن الإجابة وجدها أحد المحامين في استئناف النيابة العامة لقرار الإحالة والذي يذكر صراحة تجديد الحبس الاحتياطي كهدف، لكن وحده الأستاذ شربال كانت له قراءة مغايرة “سأدافع عن وكيل الجمهورية وسأقول لكم لماذا لم يرافع، إنه تجنب أن يخالف ضميره لأنه يعرف أن الملف فارغ” لكن قضية تحويل وكيل الجمهورية المساعد سيدي محمد بلهادي إلى قمار هي التي تكون قد أثنت ممثل الحق العام عن اتخاذ موقف مشابه لذلك الذي اتخذه زميله المعاقب حسب محام آخر.

لقد كانت المرافعات في معظمها تتجه إلى شخص القاضي تدعوه إلى اتخاذ القرار “الشجاع” و “التاريخي” بإعلان براءة بومالة الذي سيكون مساهمة في بناء جزائر جديدة يكون القضاء فيها مستقلا، وعلى محور الفصل بين استقلالية القاضي واستقلالية القضاء درات معظم المرافعات، لكن الأساتذة شاكوري وبادي وبوشاشي ذهبوا بعيدا في تناولهم لتغول الأجهزة الأمنية، وقد تكرر اقتباس جملة من تقرير الضبطية القضائية يصف المواطن الجزائري بالساذج والمغلوب على أمره، كما كان استعراض الخروقات الإجرائية مناسبة لإظهار كيف تتصرف الأجهزة الأمنية دون أدنى رقابة من القضاء.

عاد بومالة ليتحدث للمرة الأخيرة، كلمة في ثماني دقائق رد فيها على تهمة المساس بالوحدة الوطنية بالتذكير بأن المحامين والحضور يمثلون ثلاثين ولاية على الأقل وأن المحامين رافعوا بالعربية والأمازيغية والدارجة وفي المحاكمة تجسد التنوع، وختمها بدعوة القاضي إلى إصدار الحكم الذي سيحترمه ويخضع له، لكنه أشار إليه بما هو أهم “حرروني أحرركم” سكت بومالة فتناول القاضي الكلمة ليعلن قراره بتأجيل النطق بالحكم إلى الفاتح مارس، نطق بقراره بطريقة آلية أوحت بأنه قد حسم أمره منذ وقت غير قصير.. غضب في القاعة حولها إلى ساحة مظاهرة، كان الوقت قد بلغ الثانية وخمس دقائق من يوم آخر، وعلى جدار القاعة كانت الساعة ثابتة لم تتحرك ثانية واحدة، ساعة القضاء معطلة يراد لها أن تبقي الجزائر بعيدة عن زمن الثورة السلمية وعصر الحرية .. هيهات.

Posts Carousel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

Latest Posts

Top Authors

Most Commented

Featured Videos