من ينقذ ما بقي من الدولة ؟

إرزازن نيوز من ينقذ ما بقي من الدولة ؟

بقلم نجيب بلحيمرعلى فايس بوك 01/02/2020

إرزازن نيوز من ينقذ ما بقي من الدولة ؟
نجيب بلحيمر

أول زيارة لرئيس أجنبي إلى الجزائر منذ تنصيب عبد المجيد تبون أثمرت حادثة دبلوماسية، فقد أخرج الرئيس التركي طيب رجب أردوغان إلى العلن جانبا من الحديث الذي دار بينه وبين نظيره الجزائري الذي نسب إليه قوله إن فرنسا قتلت خمسة ملايين جزائري أثناء احتلالها للجزائر، وشرح أردوغان في كلمة ألقاها أمام قيادات حزبه في أنقرة كيف طلب من تبون تزويده بوثائق تاريخية تثبت هذه الجرائم حتى يقدمها لماكرون ليعرف جيدا الماضي المظلم لبلاده.

هذا الكلام نشرته جريدة “البلاد” الموالية للسلطة واعتبرته إنجازا عظيما في إطار الصراع التركي الفرنسي الذي يخدم مصلحة الجزائر ويمكن أن يساعدها على انتزاع الاعتذار الفرنسي عن الجرائم الاستعمارية في حق الشعب الجزائري، كما نقله موقع القناة من خلال ترجمة للمقطع الذي يتحدث فيه أردوغان عن هذه القضية، وبعد كل هذا أصدرت وزارة الخارجية بيانا يتحدث عن إخراج حديث تبون عن سياقه، ويذكر بحساسية موضوع الذاكرة، وأن مثل هذه التصريحات لا تخدم الجهود التي تبذلها الجزائر وفرنسا من أجل معالجة هذه القضايا.

الاستنتاج الأول الذي نخرج به مما جرى أن تبون، وكما ظهر في لقائه مع الصحافة وكما قدمته حملته الانتخابية، لا يملك الحد الأدنى من ثقافة الدولة، ويبدو واضحا أنه ما زال متأثرا بتلك الخطابات الشعبوية الجوفاء التي طغت على الخطاب الرسمي في مرحلة السعي لفرض الانتخابات بالقوة، من الواضح أنه يستلهم ثقافته من الإعلام الرديء والشعبوي الذي ارتكزت عليه السلطة منذ 22 فيفري، ولهذا نجد آثار تلك الأطروحة الساذجة عن إنهاء الوصاية الفرنسية، والقضاء على اللغة الفرنسية، والتوجه نحو شركاء جدد، في حديث تبون، وهذا يعني ببساطة أن لا وجود لفريق حقيقي يحيط بالرجل ويقدم له العناصر الضرورية لتشكيل رؤية واضحة عن المهمة التي يتولاها وما يجب أن يفعله عندما يقابل نظراءه الذي سيزورونه أو سيزورهم هو، ومن الواضح أنه لا يفرق بين حديث المجالس الخاصة وما يقال في لقاءات رسمية مع رؤساء أجانب.

محاولة تصحيح الخطأ أظهر خللا آخر، فقد جاء الرد من وزارة الخارجية بدل أن يصدر عن رئاسة الجمهورية باعتبار أن ما تحدث عنه أردوغان هو كلام دار بين رئيسين وفي إطار رسمي، ثم إن الدستور يضع الرئيس باعتباره المسؤول الأول عن السياسة الخارجية، وتولي الخارجية الرد يزيد في تشويه الصورة بدل إصلاحها، وقبل هذا كان البيان قد نسب إلى الرئاسة وتداولته وسائل الإعلام قبل أن ينسب إلى الخارجية.
هذا من حيث الشكل، أما من ناحية المضمون فالكارثة تبدو أعظم..

تكشف لنا هذه الحادثة أن تبون ليست لديه أي تصور على حقيقة الصراعات الدولية في منطقتنا، فالمعلوم أن الخلاف بين أنقرة وباريس عميق وقديم حيث تعتبر تركيا أن فرنسا لعبت دورا أساسيا في عرقلة انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، وقد أخرج الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي هذا الأمر إلى العلن عندما قال صراحة بأنه لا يتصور أن تصبح للاتحاد الأوروبي حدود مع سوريا، ويضاف إلى هذا الدعم الفرنسي متعدد الأشكال للكرد، وقد وصل الصراع مداه عندما اعتمد البرلمان البرلمان الفرنسي قانونا يجرم إنكار إبادة الأرمن أثناء الحرب العالمية الأولى، وقد عمد أردوغان إلى تذكير فرنسا بشكل منتظم بجرائمها في الجزائر أثناء الفترة الاستعمارية.

يرى البعض أن المناكفات بين أنقرة وباريس تخدم الجزائر في مسألة الذاكرة، لكن الحقيقة أن هذه الورقة تستعمل في حرب كلامية تخفي صراع مصالح سواء تعلق الأمر بالنفوذ في شرق المتوسط، أو بالدور التركي في سوريا والعراق، والأهم من هذا الدور التركي المتعاظم في ليبيا، وبالنسبة للجزائر هذا هو الأهم على الإطلاق، وهنا لا بد من الاعتراف بأن حديث تبون إلى أردوغان يظهر عدم إلمام مخيف بحقيقة الصراعات في بلد يعتبر أمننا مرتبطا به بشكل مباشر، وإذا كانت تركيا تعتبر فرنسا من أهم العوائق أمامها في ليبيا فإن حديثا جانبيا بين تبون وأردوغان وضع الجزائر في موقع منطقة النفوذ واللاعب الثانوي بين قوتين كبيرتين.

لقد سبق لأحمد أويحيى أن وصف حديث أردوغان عن جرائم الاستعمار بأنه متاجرة بدماء الجزائريين، وقد قال ذلك الكلام بصفته الحزبية، والحقيقة أن ذلك الموقف الرسمي وهو يعبر عن رفض الجزائر التحول إلى ورقة في يد تركيا التي لا يجوز لها استعمال قضايا في العلاقات الثنائية الجزائرية الفرنسية بما يظهر الجزائر كبلد ضعيف أو منقوص السيادة وللأسف وجب الاعتراف أن حديث أردوغان الأخير يكرس هذه النظرة تماما مثلما أشار إليها طلبه من المستشارة الألمانية دعوة الجزائر إلى مؤتمر برلين.

إن الصورة التي يقدمها تبون لنظرائه تعكس حالة سلطة ضعيفة ورديئة، وهو أمر سينعكس سلبا على مصالح البلاد الحيوية، ويؤكد مرة أخرى أن خيار فرض رئيس ضعيف لن يحقق النصر على الثورة السلمية بقدر ما يهزم الجزائر كدولة ويسيء إلينا كأمة، وأولوية الجزائريين اليوم يجب أن تكون وقف هذا الانهيار.

Posts Carousel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

Latest Posts

Top Authors

Most Commented

Featured Videos