لا يفوتك

الجزائر الجديدة 43 – بقلم رضوان بوجمعة

إرزازن نيوز الجزائر الجديدة 43 - بقلم رضوان بوجمعة
رضوان بوجمعة

الجزائر الجديدة 43 – بقلم رضوان بوجمعة على فايس بوك

تبدأ الجزائر الجديدة في طريق إعادة بناء المعنى في العمل السياسي عندما تقلب صفحة الممارسة السياسية التابعة لمخابر منظومة الحكم بشكل نهائي.

الممارسة السياسية التي ولدت من مخابر المنظومة، هي التي استخدمت في تسعينيات القرن الماضي من أجل ممارسة العنف ضد المدنيين، فمخابر السلطة هي التي حركت قيادات الدكاكين السياسية من أجل غرس الكراهية بين الجزائريين والجزائريات برعاية منظومة إعلامية مستفيدة من ريع الإشهار ودعم المال العام، حيث عملت المخابر على تقسيم الساحة السياسية في الأول بين معسكر سوقته الدكاكين الإعلامية على أنه تيار حداثي ديمقراطي من جهة، وتيار إسلاماوي متطرف من جانب آخر، وبالرغم من الكثير من الجهل الثقافي والسياسي لهذا التقسيم، إلا أن هذا التقسيم كان الهدف منه ومنذ الأول صناعة الخلافات وتضخيمها، وإلهاء المجتمع بنقاشات مغلوطة متعددة، إلهاء كانت الغاية منه إجهاض أي انتقال ديمقراطي في المجال السياسي، وأي انتقال اقتصادي من الاقتصاد المخطط إلى اقتصاد السوق، والنتيجة كانت بمنع الانتقال السياسي نحو النظام الديمقراطي، وفرض نقل الاحتكار العمومي من القطاع العام إلى بعض الخواص. 

منظومة الحكم، التي كانت تخترق قيادات غالبية الأحزاب، وصنعت بعضها الآخر، كانت تحضر لهذا الإجهاض منذ أحداث قمار، حيث خرج يومها خالد نزار أمام كاميرا التلفزيون وبعكازه، برسالة “سنقضي عليهم”، وهي الرسالة التي لم يفهم الجزائريون والجزائريات معانيها إلا سنوات بعد ذلك. 

مع إعلان نتائج أول انتخابات تشريعية في ديسمبر 1991، قامت الأجهزة بتحريك قيادات الأحزاب التي خسرت الانتخابات وتحت عنوان إنقاذ الجمهورية للتصفيق على مسار الانقلاب على صناديق الاقتراع، وتوقيف المسار الديمقراطي في جانفي 1992. 

هذا الاصطفاف الأيديولوجي وتقسيم الجزائريين والجزائريات، أنتج جروحا عميقة لم تندمل بعد، أكثر من 200 ألف قتيل وأكثر من 12 ألف مختطف وعشرات الآلاف من المساجين في محاكمات صورية لا تتوفر على الحد الأدنى من مميزات المحاكمة العادلة، كما أن الجيش كمؤسسة تم إضعافه وتحويله إلى ما يشبه شرطة مدن، في خضم أزمة سياسية تعقدت واختصرتها منظومة الحكم في مشكل أمني لا يعالج إلا بالايديولوجية الأمنية والتضليل الإعلامي والدعاية السياسية.

الاصطفاف الأيديولوجي تعرى بعد الانقلاب، لأن الانقلاب سانده إسلاميو وديمقراطيو النظام، الذين تحالفوا لمنع أي توافق أو عقد سياسي يبني الدولة، حيث تقاسم سعيد سعدي، وأحمد مراني ومحفوظ نحناح، وأبوجرة سلطاني وعبد المجيد مناصرة ونورالدين بوكروح… وغيرهم ريع السلطان والسكن بشكل مشترك في إقامة نادي الصنوبر، وساهموا كلهم في تقسيم عمل عجز حتى كارل ماركس عن تصوره.. عمل خدم رجال السلطة من جنرالات النظام الذين عملوا على إنقاذ المنظومة على حساب مصالح الدولة وتماسك الأمة.

الأمة الجزائرية ومنذ 22 فيفري الماضي، خرجت واحدة وموحدة في 48 ولاية وبكل تنوعها الاجتماعي والثقافي واللغوي والفكري والسياسي، بمطلب أساسي وهو تغيير كل منظومة الحكم، وبعد ما يقارب خمسة أشهر، بدأت تبرز مناورات إعادة تأجيج ايديولوجي فارغ لا يبني أي معنى، بل يلوث ويشوش على التواصل والنقاش الفعلي لبناء الدولة والمحافظة على تماسك الأمة، فالمجتمع عبر عن ميلاد وعي وطني وسياسي كبير، في حين أن الدكاكين السياسية وبمختلف توجهاتها، لا زالت تحاول ممارسة اغتصاب منظم للأمة، وهي تعتقد أن الأمة الجزائرية عبارة عن جماهير يمكن أن تكون عرضة لهذا الاغتصاب، فبين خطاب يريد تضليل الجزائريين بهوية ايديولوجية معينة لقيادة الجيش الحالية على حساب هوية ايديولوجية سابقة، بالرغم من أن الأحزاب نفسها التي صفقت لعسكر تسعينيات القرن الماضي كذلك تفعل مع عسكر اليوم، وبين قيادات حزبية أخرى تصنف نفسها في التيار الديمقراطي وهي التي لم تنتج أية قيادات جديدة ولا أفكار جديدة تتماشى مع الحداثة التي تتاجر بها، بل وبعضها لا يملك حتى الشرعية التنظيمية للحديث باسم منخرطيه. 

هذا المشهد اليوم، يبين وبما لا يدع مجالا للشك، أن المجتمع يعيش في الألفية الثالثة ويريد بناء الدولة ومستقبل الأمة، ويقف اليوم في مواجهة قيادات حزبية تعيش في الماضي وتسير علاقاتها وامتداداتها مع شبكات وعصب وعصبيات منظومة الحكم، لذلك فإن كل المؤشرات تبين أنه لا حل في الأفق إلا بتجاوز هذه الدكاكين التي هي جزء من المنظومة الفاسدة لأنها تعمل على تفريق المجتمع الذي قرر أن يسير نحو المستقبل لبناء دولة القانون والحق في مجتمع مفتوح لا يؤمن لا بجدران العنصرية الاجتماعية ولا بقيطوهات الأدلجة والعصب والعصبيات، إنه المجتمع الذي أعلن ميلاد وعي وطني وسياسي جديد، يريد أن يبني عقدا اجتماعيا جديدا بعد عقد نوفمبر 54 الذي حرر الأرض.. عقد سياسي جديد يُحرر الانسان ويبني الدولة ويحمي الأمة في مسار بناء الجزائر الجديدة.

الجزائر في 6 جويلية 2019
تحرير و تصوير رضوان بوجمعة

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق