juin 14, 2020
17 mins read

عن اليسار عموما وعن اليسار « المدخلي » خاصة

السلام عليكم. أهلا بكم في راديو كورونا في ظل وباء المؤامرة

 إنقاذ أفكار اليسار من الفكر التآمري السائد ضرورة ملحة. أكيد أن فكر المؤامرة ليس حكرا على اليسار، ولا على الأنظمة التسلطية، فليس كل اليسار معتنقا لفكرة المؤامرة! الحمد لله، فالذين يصارعون حقيقة الميدان هم في أغلب الأحيان ليسوا كذلك، ولا يميلون إلى البحث، في كل مرة ودون توقف، عن تفسيرات لمشاكل البلد، في مناورات مخابر الإمبريالية.

في الجزائر، كما في أماكن أخرى، كان لليسار دور مفيد بدفاعه عن رؤية تقدمية، حتى وإن دخلت تلك الرؤية، مثلما حدث في أماكن أخرى أيضا، في أزمة مع سقوط الاتحاد السوفياتي السابق وصعود الإسلاموية. ويتعين عليه اليوم.أن يجدد نفسه أو أن ينبعث من جديد. 

لن أخوض في تفاصيل تاريخ اليسار الجزائري الذي لم يكن متجانسا. لكن دعنا نقول، بغرض التبسيط، بأنه مع تصفية حزب الطليعة الاشتراكية في سنة 1993 بعد تهميش الصادق هجرس، أحد قدامى حزب الشعب الجزائري، والحزب الشيوعي الجزائري، حدث التشتت الكبير في الصفوف.

بقي صادق هجرس حاضرا في وسائل الإعلام من وقت إلى آخر لكن كلمة اليسار كانت فعليا محتكرة في ذلك السياق، الذي يطبعه العنف الشديد، من طرف الراحل الهاشمي الشريف. إنه خطاب تخلى عن المقاربة الاجتماعية والنضالات الحقيقية لفائدة قراءة مفرطة في الإيديولوجية وفي مناهضة الشعبوية التي انحرفت في أحيان كثيرة لتتحول إلى معاداة للشعب، والحقد على الفئات التي تسمى خطيرة، والمدانة بميلها الإسلاموي.

في سنة 1992، مثلا، كان مألوفا في بعض الأوساط القول بأنه لا يجوز تنظيم انتخابات مع « بؤساء » أغلبهم « أميون ». ودفعت « جبهة الجزائر الحديثة »، مجموعة « فام » المقيتة، الأمر إلى حدود كاريكاتورية عندما قررت، ودون أن تتعرض لأي رقابة، أن هناك شعبين في الجزائر، أحدهما أصولي والآخر حداثي، ويجب تنظيم الفصل بينهما. لا شيء غير هذا!

في تلك الفترة، أصبح خطاب المؤامرة عنيفا وتهريجيا؛ سيتم اتهام حسين آيت أحمد وأحمد بن بلة وعبد الحميد مهري بخدمة مصالح أجنبية وخيانة الوطن.

إنه تاريخ يجب أن يكتب. لكن بعض أولئك الذين يزعمون تجسيد اليسار أو السيادوية – « المارقين » إذا استعرنا الوصف التهكمي للمهندس المعماري عاشور ميهوبي- يواصلون اليوم لعب دور ممثلي الادعاء ويكتشفون عددا لا حصر له من الأيادي الأجنبية التي تكون تتلاعب بحراك الجزائريين.

بالأساس، هناك رؤية اختزالية وضحلة وبائسة للجزائر والعالم. الساحة الدولية برهاناتها الاقتصادية والاستراتيجية، تتأثر بشكل كلي بموازين القوى والقانون الدولي هو في حد ذاته تعبير عن هذه الحقيقة الراسخة منذ عدة قرون، والتجاوب الصحيح ليس فيه أي غموض: نظم نفسك، وعلى أفضل وجه، داخليا لتفاوض على مكانتك وتدافع عن نفسك. بقدر ما تحظى الدولة والمؤسسات بدعم المواطنين يتحسن موقعها التفاوضي وتتعزز قدرتها في الدفاع عن نفسها. معرفة كيف يتم انخراط المواطنين ولماذا يعزفون عن ذلك ليس بالأمر المعقد.

يتعمد دعاة المؤامرة، وهم ليسوا أغبياء بل ينجزون مهمة، تجاهل القضايا الداخلية ليركزوا على التهديدات الخارجية، فمناضل من جمعية « راج » حين يلتقي بمناضلين أجانب، أو ناشط في الدفاع عن حقوق الإنسان الذي يشارك في لقاء تنظمه منظمة غير حكومية، يقدمان في صورة قاتمة، وتنسج على خلفيتها مؤامرات لا تنتهي.

ومع ذلك فإن هؤلاء المناضلين الذين يقدمون كطابور خامس لا سلطة لهم، وكل ما قد يفعلونه لا يمكن أن يكون له أي تأثير مقارنة بأفعال أصحاب السلطة من أمثال شكيب خليل وأحمد أويحيى وعبد السلام بوشوارب وكثيرين من أمثالهم.. قلة كانوا يسائلون هؤلاء عن أفعالهم قبل أن يسقطهم الحراك.

عندما يكون لديك عدد كبير من الوزراء ووزيرين أولين سابقين في السجن، فإن أدنى تشخيص يمكن القيام به هو القول بأن النظام الذي لم يكن قادرا على منع الممارسات المنحرفة لهؤلاء، هو في حقيقته « تهديد » أكثر جدية تجب معالجته بدل اختلاق قصص إثارة رديئة.لقد تابعت، بصفتي صحافيا، أي باهتمام دقيق، اندلاع الأزمة السورية في سنة 2011. خرجت مظاهرات ضد النظام في درعا، وكان بديهيا آنذاك أن الرد الصحيح عليها هو الحوار والتعجيل بالإصلاح. ولكن رد النظام كان بالقمع. والتدخلات الأجنبية، وهي موجودة فعلا وبأشكال متعددة، جاءت بعد ذلك الرد السيء. أصحاب الفكر التآمري، « الوطنيين » أو « اليساريين » يتجاهلون المشهد الأول المتعلق بالمسؤولية الجسيمة للنظام السوري الذي اختار أسوأ رد على مطالب سياسية شرعية، ليركزوا على التداعيات. 

كالمَداخِلة …

في نهاية المطاف، حجة التهديد الخارجي هذه ترفع كعصا في وجوه المواطنين: لا تحتجوا، لا تفعلوا شيئا، وإلا ستكونون في خدمة الأجنبي. وبلبوسهم الحداثية يلتحق دعاة المؤامرة هؤلاء في الواقع بالسلفيين الأكثر رجعية، المَداخلة، الذين يدعون إلى خضوع مطلق لولي الأمر، من بيده السلطة. هذا اليسار المدخلي هو في حقيقته سلفية تنكر على المواطنين حقهم في الاهتمام بشؤونهم. ولأن الجزائر ليست منغلقة على نفسها في حالة اكتفاء ذاتي، يسافر الجزائريون عبر العالم، ويلتقون أجانب، ولديهم أعمال ويشاركون في لقاءات. إذا فاحتمالات حياكة مؤامرات تبقى لا متناهية.

إنه نموذج التفكير المعياري لدعاة المؤامرة، التهديد الخارجي والخطر الإسلاموي يستعملان كقاعدة لرفض الديمقراطية والدفاع عن النظام. إنه لأمر مثير للشفقة! يمكن الدفاع عن أطروحة أن الإسلاموية لا تشكل بديلا للحكم، لكن أن نلوح بها، مع اليد الأجنبية، لتبرير استمرارية الأنظمة التسلطية فهذا بهتان. الأنظمة التسلطية هي من تفكك الأمم، وهذا اليسار المزيف هو في الواقع مجرد زخرف لولي الأمر المطلق، كما هو حال السلفيين المداخلة. في الحقيقة هذا لا يزيد إلا في جدارة مناضلي اليسار الحقيقيين الذين لا يشيعون الغموض ولا يحملون الشعوب مسؤولية الأفعال السيئة للحكام.أغتنم الفرصة لأحيي الصادق هجرس، المناضل صاحب التجربة التاريخية المتميزة. في شهر جويلية 2019 التقيته في مستشفى حيث كان يعالج من آثار سقطة. كان له تقدير أكثر إيجابية تجاه الحراك. لقد وجه الرسالة التالية إلى الشباب:« حراككم الشعبي والديمقراطي يواجه رهانات كبرى. إذا بقي موجها بالسلمية، والاتحاد والفهامة، إنها سلاحكم الفعال لتخطي العوائق الكبيرة المحلية والدولية ».إذن، لنبقى في السلمية والاتحاد والفهامة.

.ترجمة لنص قرئ بالفرنسية على راديو كورونا
سعيد جعفر 14 جوان 2020

Laisser un commentaire

Your email address will not be published.

Article précédent

واشنطن بوست: الحراك الجزائري علامة فارقة في تاريخ العالم ويدخل عامه الثاني بكل إصرار

Article suivant

إيداع الناشط السياسي محاد قاسمي الحبس المؤقت

Latest from Blog

Gaza : la complicité écœurante de la bourgeoisie française

Par Politicoboy | 8 Mai 2024 | frustrationmagazine.fr Pendant que France Télévision diffusait la nuit des Molières de la Comédie française, l’armée israélienne a déclenché son offensive tant redoutée contre Rafah. Les premiers rapports font état
Aller àTop