avril 25, 2021
14 mins read

من نجامينا المدمرة إلى الجزائر المعطلة.. بناء الدولة ضرورة وجودية

جسور للغد بقلم رضوان بوجمعة

من نجامينا المدمرة إلى الجزائر المعطلة.. بناء الدولة ضرورة وجودية

تواصل فرنسا الرسمية سياسة تأييد كل الانقلابات في مستعمراتها السابقة، آخر هذه الانقلابات ما يحدث في تشاد بعد مقتل إدريس ديبي منتصف الأسبوع الماضي، هذا الرئيس الذي وصفه ماكرون بــ « الصديق الشجاع لفرنسا »، وهو لقب استحقه بعدما حوّل الجيش التشادي إلى أداة للمناولة الدولية للتدخل في كل نزاعات دول الساحل ووسط إفريقيا.

الدعاية الرسمية في التشاد كانت تفتخر بإنجازات رئيس بقي 30 سنة من الحكم، وكل أجهزة البروباغندا الإعلامية والسياسية بالتشاد كانت تردد خطابا مفاده أن » التشاد دولة محورية في هذه الرقعة الجغرافية ».

بالنسبة للخارجية الفرنسية التشاد هي الجيش التشادي، لذلك فكل التحركات الفرنسية كانت لا ترى فيها إلا جيشا يمكن التعويل عليه لأداء الكثير من المهام الصعبة في حروب قذرة، يتم فيها خرق كل حقوق الانسان وتمكين القوى الدولية من الاستمرار في ممارسة هيمنتها الجيوسياسية.

الدور الفرنسي في سقوط نظام معمّر القذّافي في ليبيا سنة 2011، والخراب الذي أعقب ذلك، مكّن إدريس ديبي من البقاء والاستمرار في الحكم، وتمكين أفراد عائلته من ممارسة نفوذها على كل مفاصل السلطة، وممارسة الحكم بقبضة حديدية عنوانها الاقصاء والعنف والقتل… ضد كل من يفكر في معارضة منظومة الحكم، وهي ممارسات تغض فرنسا الطرف عنها، مقابل اتساع مهمة تكليف جيش تشاد بمحاربة الجماعات المسلحة ومنذ عام 2012 إلى اليوم في محور جغرافي من مالي إلى النيجر وليبيا، وفي شمال شرقي نيجيريا والكاميرون.

تشاد: من قمع المعارضة إلى تفكك الجيش؟

يقارب عدد سكان دولة التشاد اليوم 16 مليون نسمة حسب آخر إحصاء وبمساحة تقدر بمليون و284 كم مربع ، وهي دولة تملك العديد من الثروات الفلاحية، وهي بلد نفطي منتج منذ عام 2003، وبدأ يبرز اتجاه نحو تبعية اقتصادها للنفط بشكل لافت في السنوات القليلة الماضية، كما أنه على الصعيد الاجتماعي يعيش أكثر من 42 بالمائة من الشعب التشادي تحت خط الفقر حسب آخر إحصائيات للبنك الدولي، ويبقى رغم كل ذلك جيشها يستهلك أكثر من 40 في المائة من الميزانية بسبب حروب لا يملك الشعب التشادي فيها لا ناقة ولا جمل.

اغتيال الرئيس التشادي، الأسبوع الماضي، أمر مقلق بالنسبة لفرنسا، لأن ديبي كان يملك من الولاء لفرنسا ومن القدرة على التحكم في الوضع داخليا ما لا يملكه غيره، لذلك وبسبب هشاشة الوضع الداخلي في التشاد، وصعوبات تنظيم انتقال السلطة راحت فرنسا نحو سيناريو الانقلاب بفرض نجله الذي لا يملك قدرات والده لذلك تم إلغاء وحل كل المؤسسات – الهشة أصلا-، بغية تمكنيه من كل أدوات الحكم لمدة عام ونصف العام ، وهي مدة حاملة لكل المخاطر، خاصة وأن الاستمرار في قمع المعارضة السياسية، وقمع الاحتجاجات الاجتماعية الناجمة عن اتساع رقعة الفقر وغياب العدالة الاجتماعية، قد لا يكون مضمون العواقب، لأن العديد من الخبراء يقولون أن احتمالات تفكك الجيش التشادي واردة لأنه لم يعد جيشا بالمفهوم الدقيق للكلمة، بسبب انتشار الفساد وتحويله إلى ما يشبه الميليشيات المستأجرة للقوى الدولية.

المؤسسات الضعيفة.. الحليف الطبيعي للأطماع الدولية

هذه السيناريوهات تنذر بحرب أهلية معقدة في التشاد، وهو سيناريو وارد حسب العديد من المتابعين، وهذا السيناريو سيزداد تعقيدا مع التواجد الاسرائيلي في المنطقة، واتجاه تطبيع العلاقات مع هذا الكيان في كل المنطقة، ولذلك من المحتمل أن يذهب مقيم الاليزيه ايمانويل ماكرون نحو الضغط على الجزائر لحمل جزء من المهام التي كانت تؤديها التشاد، بمقابل الاستمرار في التغاضي عن الانسداد السياسي التي تعيشه الجزائر، وهو احتمال وارد، خاصة وأن تبادل المجاملات بين تبون وماكرون لم تتوقف، وهو الذي حيا « شجاعة تبون في مواجهة مرضه »، وتبون الذي رد بمجاملات أكبر في كل خرجاته الاعلامية، ولعل أهمها حواره لقناة الخارجية الفرنسية فرانس 24 بمناسبة احتفال الجزائر بعيد استقلالها، وهو في كل مرة ينوه بـ « النوايا الطيبة » لماكرون.

عبد المجيد تبون الذي يعرف أكثر من غيره مرضه وحدوده السياسية في ممارسة السلطة، وهو الذي فرض في القصر في عملية مرور بالقوة، ويعرف المصاعب الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها الجزائر، ورغم كل ذلك لا يزال مصرا على الذهاب نحو اقتراع تشريعي تُبين كل المؤشرات أنه سيلقى مقاطعة غالبية الجزائريين والجزائريات، وسينتج برلمانا هجينا وضعيفا قد يحقق انجازا واحدا فقط وهو ضمان الترقية الاجتماعية لبعض أعضائه ممن سيستخدمون كواجهة لتغيير كاذب، لا يصدقه حتى من يشارك فيه!

الحراك الشعبي الذي يدخل شهره الثالث في عامه الثالث، نجح إلى حد الآن في حماية الجيش بسلميته المثالية من كل الأطماع الأجنبية للتدخل في الشؤون الداخلية للجزائر، وهذا الحراك الشعبي الذي يريد بناء الدولة، دولة الحق والقانون بحاجة إلى إجابة سياسية، إلى مشروع سياسي، لأن هذا المشروع هو الذي سيمكن الجيش من الاستقواء بالشعب لرفض كل المخططات الدولية الفرنسية والأمريكية والاسرائيلية بالمنطقة، لأن الاستقواء بالشعب يبني الدولة ويحميها، أما الاستقواء بالخارج ضد الشعب والمعارضة يدمرها، والدروس في هذا المجال كثيرة، من لبنان إلى السودان، ومن العراق إلى اليمن، ومن سوريا إلى التشاد.. لذلك كله، فإن كل ما يحدث يؤكد أن بناء الدولة لم يعد مطلب شعبيا، ولا مشروعا سياسيا فقط، بل ضرورة وطنية ووجودية لاستمرار الجزائر ككيان سياسي وقانوني.

الجزائر في 24 أفريل 2021
رضوان بوجمعة

Laisser un commentaire

Your email address will not be published.

Article précédent

علي يحيى عبد النور في مئويته… عشتُ لأُناضِل

Article suivant

114 ème Marche du Vendredi 23-04-2021. H2 PHOTOGRAPHY

Latest from Blog

Gaza : la complicité écœurante de la bourgeoisie française

Par Politicoboy | 8 Mai 2024 | frustrationmagazine.fr Pendant que France Télévision diffusait la nuit des Molières de la Comédie française, l’armée israélienne a déclenché son offensive tant redoutée contre Rafah. Les premiers rapports font état
Aller àTop