واقعية مزيفة تقود إلى خيبة انتخابية مبكرة.

إرزازن نيوز واقعية مزيفة تقود إلى خيبة انتخابية مبكرة.
Read Time0Seconds

نجيب بلحيمر على الفايس بوك 27/09/2019

سبعة أشهر من الثورة السلمية لم تكن كافية لتستوعب النخبة ما يجري, ما زال قادة الأحزاب يستعيرون خطابهم من العهد الذي انتهى يوم 22 فيفري, وما زال “المثقف الحكيم” و “الخبير المتزن” يقدم دروسا في البراغماتية والواقعية, يحلل شعارات المتظاهرين ليردها إلى جهات غير معروفة تمسك بالخيوط وترسم خط السير في الغرف المظلمة, فبالنسبة لهؤلاء لا شيء تغير.

بدأت اللعبة الانتخابية ترسم مشهدا محبطا للمبشرين بالحل السحري الذي يأتي عبر الصندوق, فأسماء المرشحين للمشاركة في السابق غطت على ضمانات النزاهة التي وفرتها سلطة تنظيم الانتخابات والتعديلات التي أدخلت على قانون الانتخابات, ومنذ أن تجرأ عبد المجيد تبون على تقديم نفسه كمنقذ للجزائر يقترح خدمته الجليلة لبناء الدولة الجديدة, بدأ دعاة الانتخاب يعبرون صراحة عن حالة الإحباط, وسواء تعلق الأمر بالمرشح الآخر علي بن فليس الذي اعتبر ظهور تبون بمثابة مشروع عهدة خامسة من دون بوتفليقة, أو بعض المتحمسين للحل الانتخابي, فإن الضمانات تبخرت فجأة, وصارت نية فرض مرشح اكثر وضوحا.

هذه الخيبة المبكرة تثبت قصر نظر النخب التي لم تستوعب اللحظة التاريخية التي تمثلها الثورة السلمية, ويجب التذكير أولا بأن تمسك السلطة بالانتخابات وجعلها الأولوية والهدف جاء بدعم من كثير من الأحزاب التي توضع ضمن خانة “المعارضة”, وقد ظهر ذلك خلال الأيام التي أعقبت انطلاق المظاهرات في 22 فيفري.

بقيت الأحزاب تتصرف بمنطق ما قبل الثورة السلمية, واعتقدت ان المطالب التي رفعت في ندوة مزفران, خاصة ما تعلق بتعديل قانون الانتخابات, وإسناد تنظيم الانتخابات لهيئة مستقلة, هي مكاسب كبيرة ستضمن فتح المجال للتداول السلمي على السلطة, ولقد كانت المسارعة إلى إعادة طرح هذه المطالب مباشرة بعد 22 فيفري, دليلا واضحا على عدم فهم ما جرى في الشارع, وتوقع نهايته السريعة, وإذا أمكن تفهم هذا الخطأ في التقدير فإن الاستمرار في البناء على تقدير خاطئ بعد أن نجحت الثورة السلمية في تخطي كل الفخاخ التي نصبت لها, يؤكد ان هذه الأحزاب غير مؤهلة لتكون جزء من مشروع الجزائر الجديدة.

لقد استفادت السلطة من خدمة كبيرة قدمتها لها بعض أحزاب المعارضة باختصار عملية تغيير النظام في الانتخابات, وقد تم فرض هذا الخيار من خلال شيطنة الانتقال الديمقراطي الذي تم تحويله الى مرحلة انتقالية تعني الفراغ, ومن خلال جعل فكرة التأسيس مرادفا لتدمير الدولة, وقد ساهمت بعض الأحزاب في هذا التشويه وبررته إيديولوجيا كما تخبر عن ذلك خطابات حمس والأحزاب الإسلامية الأخرى بدرجة أقل, وسواء تعلق الأمر باجتماعات قوى التغيير, أو بندوة عين بنيان, فإن من قدموا انفسهم كممثلين للمعارضة كانوا يستعجلون الذهاب الى انتخابات في اسرع وقت ممكن, وقد استسلموا لقرار السلطة بإحالة مطالب الشعب على رئيس ينتخب في ظل النظام الذي يطالب الشعب بتغييره, كما يقر بذلك الخطاب الرسمي.

لم تكن هناك أي مفاجأة, أخذت السلطة مطالب تلك “المعارضة” ونسبتها إلى الشعب, ثم أفرغتها من محتواها, وقدمتها بالطريقة التي نعرف كاستجابة لمطالب الشعب والتي لا يبقى بعدها إلى الذهاب إلى الصناديق يوم 12 ديسمبر, وبهذا انتقلت السلطة التي وضعتها الثورة السلمية في مأزق, إلى موقع قوة حسب رؤية هذه المعارضة, وقد اعترف عبد العزيز رحابي مثلا بأن تقديم التنازلات للسلطة التي لم تبد أي تجاوب معها كان خطأ, لكن إذا استثنينا رفض رحابي المشاركة في الانتخابات لن نجد شيئا آخر يدل على استيعاب الخطأ فضلا عن السعي إلى تصحيحه.

تقوم تصورات الأحزاب, وجزء من النخبة التي وقفت مع الثورة السلمية على واقعية مغلوطة, فهم يسوقون جملة من المبررات لموقفهم “المرن” الذي يساير وعود السلطة, ومن هذه المبررات أن في مقابل مجتمع غير منظم بسبب تصحر سياسي تقف سلطة لها كل أسباب القوة, وكان هناك مبرر آخر يتعلق بإمكانية تراجع زخم المظاهرات مع مرور الوقت, وتفضي هذه التبريرات إلى الدعوة إلى انخراط أكبر في مراقبة العملية الانتخابية, وتقديم مرشح توافقي واحد للمعارضة, ثم إن التغيير يأتي عبر موجات ويمكن البناء على ما تحقق من خلال هذه الموجة الأولى.

ترتكز هذه القراءة على قراءة خاطئة لقوة السلطة, ويجب أولا التفريق بين مقومات القوة التي تتجلى في القوة المادية اساسا (أهمها قوة القمع التي يمكن ان تستعملها السلطة باسم شرعية الدولة) ووجود شبكات الولاء المنظمة, وقوة المال (القدرة على استعمال المال العام في رشوة المجتمع) واحتكار الإعلام, والقضاء, وهذه كلها مقومات قوة السلطة, لكن القوة هي كيفية استعمال هذه المقومات من أجل تحقيق أهداف معينة, وهنا يكمن الفارق الذي أحدثته الثورة السلمية.

منذ 22 فيفري استطاع المتظاهرون بإصرارهم على السلمية, أن يحيدوا ورقة القمع ويحرموا السلطة من أهم أداة كانت تلجأ إليها في الماضي, وليس هذا فحسب, فتحت الضغط الشعبي تم إبطال مخططات الاستمرارية التي كان يراد لها أن تفرض في هدوء, وفتحت عمليات سجن كبار المسؤولين بتهم الفساد الباب أمام ملاحقات قضائية عقدت عمليات استعمال المال العام, كما فرض التبرؤ من بوتفليقة محاولات لتغيير قيادات الاحزاب والتنظيمات التي استعملت طيلة فترة حكم بوتفليقة, وهذا أربك السلطة وصعب عليها استغلال الشبكات التقليدية رغم أنها لا تملك بديلا عنها, في حين حيدت الأحادية المفروضة على الإعلام كل وسائل الإعلام الثقيلة وأضعفت قدرتها على التأثير.

حالة التخبط التي تعيشها السلطة الآن هي في جزء منها ناجمة عن الفشل في استغلال مقومات القوة وتحويلها إلى قوة فعلية, وبدل ان تنتبه النخب إلى هذه الحقائق تصر على نسبة كل ما جرى إلى القرارات الصادرة عن السلطة الفعلية مع إنكار غريب لدور الثورة السلمية في تفكيك النظام ودفع عصبه إلى التناحر بعيدا عن الشارع المحصن بسلميته.

صحيح ان الثورة السلمية كانت مفاجأة الجزائر لنفسها لكن سبعة أشهر كاملة كافية لتعدل “النخب” قراءتها للواقع, ولتتخلص من نظرتها الدونية للشارع, ولتدرك ان مظاهرات مستمرة بقوة ووضوح وإصرار على تغيير حقيقي للنظام تعني في النهاية تحولا جذريا في موازين القوى بما يستدعي مراجعة جذرية لاستراتيجيات العمل السياسي لجعل هذه “النخب” قادرة على استيعاب اللحظة التاريخية والمشاركة في بناء الجزائر الجديدة.

0 0
إرزازن نيوز واقعية مزيفة تقود إلى خيبة انتخابية مبكرة.  إرزازن نيوز واقعية مزيفة تقود إلى خيبة انتخابية مبكرة.

About Post Author

0 %
Happy
0 %
Sad
0 %
Excited
0 %
Angry
0 %
Surprise

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Close