janvier 17, 2020
28 mins read

الجزائر الجديدة. طريق التوافق ومأزق « التواطؤ »

الجزائر الجديدة 149 – تحرير وتصوير رضوان بوجمعة
طريق التوافق ومأزق « التواطؤ »

يواصل عبد المجيد تبون الذي يشغل منصب الرئيس منذ 19 ديسمبر الماضي، سلسلة استقبالاته التي يتم اتباعها ببيانات من الرئاسة توضح إطار وهدف المشاورات، والتي لا تخرج عموما عن الوعود التي سبق وأطلقها في الحملة الانتخابية.

خرجة جيلالي سفيان، أول أمس، عبر حوار إذاعي كانت جد مهمة، وهذا ليس لمواقف حزبه أو مواقفه، فهو حر فيها، كما أن هذا لا يهم كثيرا لأن تأثيره في الوضع غير أساسي، فهو لا يقدم ولا يؤخر، ولكن تصريحاته تعطي لنا صورة عن سقف ما تفكر فيه السلطة ممثلة في شخص تبون المعيّن في الرئاسة والمكلف بالسهر شخصيا على هذه الاتصالات.

فهذه المعلومات تبين أن السلطة ماضية في المنطق ذاته الذي سارت فيه بفرض مرور بالقوة لاقتراع 12 ديسمبر الذي حل ظرفيا المشكل الداخلي لمنظومة الحكم بتعيين تبون في كرسي الرئاسة.

تصريحات جيلالي سفيان هي شرح مفصل لبيانات الرئاسة، وتؤكد أن الهدف الأساسي لكل ما يتم هو الحصول على شرعية مزدوجة، شرعية لرئيس فرض بالقوة، وشرعية لما سيعلن من مسودة الدستور وحل البرلمان والذهاب لانتخابات تؤدي إلى بروز بعض الوجوه الجديدة من أجل تلميع وترميم واجهة المنظومة.

منظومة الحكم في الجزائر انتهت تاريخيا في أكتوبر 88، وحاولت على ضوء ذلك بعض الجماعات داخلها صياغة استراتيجية انتقال ديمقراطي داخل النظام، لكن هذا الانتقال تم اجهاضه، حيث عملت شبكات الولاء والاذعان والفساد على تنظيم انتقال الاقتصاد من احتكار الاقتصاد المخطط إلى احتكار بعض الخواص، كما عوض الانتقال الديمقراطي بانتقال بين واجهات سياسية مختلفة في ألوانها الأيديولوجية لكنها متفقة على إنقاذ المنظومة، حيث تم الانقلاب العنيف في جانفي 92 الذي كانت رسالته واضحة وفيها الكثير من العنصرية الاجتماعية من قبل النظام، وهي باختصار « الشعب غير راشد ولا يعرف الانتخاب ».

ليستمر هذا العنف مع فرض اقتراع رئاسي سنة 95 بقوة العنف المادي والرمزي والسلاح بمشاركة وتواطؤ « علمانيو واسلاميو ووطنيو النظام »، والهدف كان تفادي بناء أي عقد سياسي لبناء الدولة، ونتيجة هذا الاقتراع حلت بشكل ظرفي أزمة النظام، وزادت من القتل والاختطاف والاعتقال والتعذيب ضد الشعب، وهذا الحل الظرفي للنظام انتهت صلاحيته في سبتمبر 98 باستقالة زروال الذي لم ينجح لا أمنيا ولا سياسيا، وهو الذي سهر على تنظيم اقتراع فرض بوتفليقة في الحكم الذي لم يغادر قصر المرادية إلا بعد ثورة الشعب الجزائري في فيفري من السنة الماضية.

ذهب بوتفليقة، وبقيت منظومة التعيين، التي فرضت تبون في الرئاسة رغم معارضة أغلبية الشعب لذلك، وتبون يريد اليوم أن يعيد ما قام به زروال وما قام به بوتفليقة: إطلاق مشاورات من أجل تعديل الدستور والذهاب لانتخابات تشريعية وفتح الإعلام للنقاش حول الدستور واتخاذ إجراءات تهدئة وهي كلها كلمات وقاموس عرفه الشعب مع الجنرال زروال ومن جاء بعده.

المشكل اليوم أن السلطة والطاقم السياسي الذي يعتبر في غالبيتهم امتدادا لمنظومة الحكم، لم يفهم إلى اليوم أن منظومة الحكم التي تأسست على الإقصاء والكراهية والعنف منذ الانقلاب على الحكومة المؤقتة لم تنته صلاحيتها فقط اليوم، ولكنها ماتت منذ سنة تقريبا، ماتت موتا فعليا، وأصبح بقاءها يهدد النسيج الاجتماعي ويضع الدولة ككيان سياسي وقانوني وجغرافي أمام مخاطر التفكيك، لذلك أصبح دفن المنظومة وتغييرها « واجب وطني » وضرورة سياسية ومهمة وطنية لحل المشكل الوجودي للدولة.

ترميم النظام أو بناء الدولة؟

ما يحدث هذه الأيام لا يمكن إلا تصنيفه ضمن جولات إعادة ترتيب بيت النظام وصالوناته وامتداداته في الأجهزة الحزبية والإعلامية والجمعوية ولدى حملة الشهادات، بدليل أن ما يطرح لا ينطلق إطلاقا من حالة الإفلاس العام التي تسببت فيها منظومة التعيين التي فرضت كل رؤساء وبرلمانات الجزائر من عهد بن بلة إلى عهد بوتفليقة وتبون.

رغم أن المطلوب تاريخيا اليوم هو الذهاب المستعجل نحو توافق تاريخي لتغيير جذري لمنظومة الحكم والقطيعة نهائيا مع منظومة التعيين التي تسببت في كل المصائب.

الحوار الذي يطلق اليوم هو أقرب لمأزق التواطؤ وأبعد ما يكون إلى طريق التوافق، فما الفرق بينهما وما هي مؤشرات ذلك؟ يمكن توضيح بعض مؤشرات ذلك من خلال النقاط التالية:

1- غالبية المشاركين في هذا الحوار أو الراغبين فيه وينتظرون تحديد موعد اللقاء، يطالبون وبنبرات صوتية مختلفة بإجراءات تهدئة وإطلاق سراح سجناء الرأي والحراك، بل ويدعو بعضهم الرئيس للتدخل في ذلك، وهو مطلب الهدف منه تحويل إطلاق سراح هؤلاء إلى عملية « تسويق سياسي » لشخص لتبون، حتى يتم الذهاب إلى ما يشبه التطبيع السياسي مع رئيس معين، وهو أمر مرتبط بمأزق التواطؤ، لأن طريق التوافق نحو تغيير المنظومة يفرض على الرجل السياسي من الناحيتين الأخلاقية والسياسية التنديد بالاعتقالات أو لا، والمطالبة بالتوقف عن الاعتقالات بسبب التظاهر السلمي والتعبير عن الاراء، بل وتجريم هذه السلوكات، كما يفرض على الرجل السياسي المطالبة بحماية القضاء من كل الضغوطات مهما كان مصدرها، واحترام الإجراءات الجزائية في الاعتقالات وفي إجراءات إطلاق سراح السجناء، وهو ما لم يتم، كما يحتم على الرجل السياسي المطالبة بالتوقف نهائيا عن التعسف في استخدام الحبس المؤقت في قضايا الرأي والتعبير السياسي، وضرورة استقلالية القضاء عن السلطة التنفيذية وعن سلطة البوليس السياسي.

2- ورد في كل تصريحات الذين تحدثوا بعد استقبالهم أو الذين ينوون الذهاب لذلك فرادى وجماعات، مطلب فتح الإعلام أمام مختلف الاراء، وهو مطلب قال عنه بعضهم أنه يسير في الاتجاه الصحيح من أجل تحقيقه، رغم أن مسألة الفتح تحمل في طياتها غلقا، لأن الفتح ظرفي والغلق مسألة دائمة لأنها ممارسة نسقية، ومسألة الفتح الظرفي هذه مارستها السلطة في كل الأوقات، آخرها عهدي زروال وبوتفليقة، وكل الصحفيين يتذكرون مثلا أشهر تعليمة رسخت في أذهان جيل كامل من الجزائريين والجزائريات حول فتح الإعلام وهي التعليمة رقم 17 التي وقعها الجنرال زروال بصفة الرئيس، رغم أن قانون الإعلام الذي كان ساري المفعول آنذاك قانون 90، كان يتحدث عن تعددية إعلامية وتعددية الاراء، وعن واجب أداء الخدمة العمومية ولم يكن يطبق، لكن تعليمة زروال تم تحويلها بفضل الدعاية إلى عملية تسويق سياسي لشخص الرئيس المفروض في قصر المرادية، ووضع صورة الانفتاح الإعلامي الذي تم في فترة محددة وكان الهدف منها النقاش حول دستور 96 والذهاب لانتخابات تشريعية سنة 97 التي لم تعرف الجزائر مثلها في التزوير ، ولذلك فمطلب الفتح هو مطلب قريب من مأزق التواطؤ بعيد عن التوافق، لأن طريق التوافق يؤدي إلى ضرورة تغيير شامل للمنظومة الإعلامية وقواعدها والمطالبة بانتقال منظم من منظومة الدعاية إلى منظومة الإعلام والتوقف عن هذه المنظومة القائمة على الريع والفساد ونشر الأخبار الكاذبة التي تسربها المصادر التي يقول عنها موظفو الصحافة بأنها مصادر عليمة ومطلعة ووو، وفي ذلك الوقت الكلام عن الفتح يمكن تصنيفه في مجال الشذوذ السياسي.

3- تركزت كل التصريحات -إلى حد الآن- المتعقلة بمسألة تعديل الدستور حول تقليص صلاحيات الرئيس وإعطاء صلاحيات أكبر للبرلمان، والهدف من كل ذلك الاستثمار في صورة تبون وفي تعميق الصورة السلبية للبرلمانيين، واختصار الأزمة في شخص الرئيس الذي أصبح يختصر عهده باسم العصابة، وهي حيلة من حيل التواطؤ لتحريف النقاش، لأن النقاش الحقيقي هو حول منظومة التعيين التي لا تعترف بالدستور لأنها لا تؤمن بالمؤسسات، لأن القرارات تتخذ خارج المؤسسات، بشهادة حتى الفاعلين في منظومة الحكم، فقرار فرض الراحل محمد بوضياف مثلا اتخذ في بيت خالد نزار وهو ما قاله بنفسه، كما أن قرار فرض اليمين زروال اتخذ بالشكل نفسه، وقرار فرض بوتفليقة تم اتخاذه في اجتماعات القصور والبروج العاجية من قبل العربي بلخير وتوفيق مدين ونزار… وغيرهم، والأمر كذلك بالنسبة لعبد المجيد تبون، لذلك فطريق التوافق يفرض الحديث عن دستور جديد تكون الأمة طرفا فيه، لأن الدستور يجب أن يتخذ طريق التوافق من أجل بناء الدولة والمؤسسات التي تفرض احترام وسلطة القانون من الجميع، وبفرض استقلالية شاملة للسلطات بما يمكن الأمة من ممارسة الرقابة على كل الأجهزة التنفيذية دون أي استثناء. وهو الطريق التوافقي الذي يحمي الدولة من الفساد والاستبداد والولاء للأشخاص والشبكات والعصب والعصبيات والعمالة للخارج.

4- أكد الكثير من الذين استقبلوا أو الذين يستعدون لذلك أن الحوار سيشمل تغيير قانون الانتخابات والذهاب لانتخابات تشريعية قبل نهاية السنة، وهو أمر سبق لزروال وبوتفليقة القيام به، دون أن تتغير منظومة المحاصصة الانتخابية للأجهزة الحزبية التي تشكل امتدادا لمنظومة الحكم، لذلك فهذا الأمر لا يعدو أن يكون حيلة أخرى من حيل التواطؤ لتجديد واجهات ووجوه منظومة الحكم، فالمهم ليس تغيير أحمد بمقران، وعبد الرزاق بعبد القادر، وسعيد بجيلالي، ونعيمة بخليدة… لكن الأهم هو طريق التوافق التاريخي من أجل تغيير شامل للمنظومة السياسية والانتخابية التي تقطع مع ممارسات تدخل الإدارة -رغم منع القانون لذلك- في قوائم مرشحي الأحزاب، وفي من يحق له النجاح ومن يجب أن يمنع حتى من الترشح، وهي ممارسات تعرفها كل الأجهزة الحزبية وغالبيتها موافقة على ذلك لأنها موجودة بفضل منظومة العسكرة والأمننة التي حولت الإدارة إلى أكبر حزب سياسي لا يعترف لا بالقانون ولا بالقضاء ولا بحق الأمة في الاختبار، ويقوم بتعيين البرلمانيين ورؤساء البلديات، والنتيجة سطوة الفساد والرداءة في كل مكان.

هذه بعض العناصر فقط، حول الفرق الأساسي بين طريق التوافق من أجل تغيير منظومة الحكم وبناء الدولة وإنقاذها من التفكك، وبين مأزق التواطؤ الذي يسعى أصحابه لتغيير وجوه وواجهات المنظومة، وهو كالفرق بين السماء والأرض.

الفرق بين عالم الأفكار وعالم الأشخاص، وعالم الأشياء، لأن الشخصنة انحراف بالنقاش، والمشيئة سيطرة المادة عليه، في حين أن التفكير في الوضع هو الذي قد ينقذها من مأزق التواطؤ الذي قد يؤجل التغيير لكنه لن يمنعه، بل سيدفع إلى رفع تكلفته، وتكلفته قد تكون مدمرة لكيان الدولة ولوحدة الأمة ولمستقبل الأجيال، فهل من منصت؟ لأن مأزق التواطؤ قد يخدم مصالح بعض الأشخاص ويحقق لهم بعض الأشياء، لكن طريق التوافق سينقذ الدولة من الانهيار ويحفظ مصالح الأمة ويضمن حقوق الأفراد للعيش بكرامة وعدالة اجتماعية في دولة المواطنين والمواطنات، في جزائر المجتمع المفتوح، جزائر كل الجزائريين والجزائريات.

تحرير وتصوير رضوان بوجمعة
الجزائر في 17 جانفي 2020

Article précédent

47 vendredis contre des décennies de régression: le Hirak a remis l’Algérie en mouvement

Article suivant

شاهد ما قاله عبد الحميد مهري عن الهوية الأمازيغية

Latest from Blog

Gaza : la complicité écœurante de la bourgeoisie française

Par Politicoboy | 8 Mai 2024 | frustrationmagazine.fr Pendant que France Télévision diffusait la nuit des Molières de la Comédie française, l’armée israélienne a déclenché son offensive tant redoutée contre Rafah. Les premiers rapports font état

Ce que la Palestine fait au monde

ALAIN GRESH · LE 2 MAI 2024 In orientxxi.info L’offensive israélienne contre Gaza depuis le 7 octobre montre plus que jamais l’impunité totale d’Israël et un soutien inconditionnel apporté à Tel-Aviv par la majorité

La gouvernance néolibérale en marche

Rafik Lebjaoui, Algeria-Watch, 21 Avril 2024 La gestion ultra autoritaire de la pandémie du Covid a indiqué clairement l’orientation choisie par l’oligarchie occidentale pour assurer le contrôle des populations et encadrer les
Aller àTop

Don't Miss

47 vendredis contre des décennies de régression: le Hirak a remis l’Algérie en mouvement

Saïd Djaafer 14 Janvier, 2020 radiom.info A quelques semaines du

الجزائر: ماذا بعد شهر من رئاسة عبد المجيد تبون؟

رضوان بوجمعة. 2020-01-13. assafirarabi.com كاتب صحافي وأكاديمي من الجزائر حراكُ